نتنياهو يطرق أبواب “الحركة الإسلامية”.. ماذا يريد؟

بقلم – أليف صباغ 

تذرّع نتنياهو بحرصه على “تفقّد مجمّعات التطعيم باللقاح” ضد فيروس كورونا، وأطلق حملته الانتخابية في أوساط الناخبين العرب، من خلال زيارته المفاجئة إلى مدينتيْ الطيرة وأم الفحم في منطقة المثلث الشمالي، معقل الحركة الإسلامية، يومي الخميس 31/12/2020 والجمعة 1/1/2021 على التوالي. فهل ينجح في استمالة أحد؟ أم أنّ لديه أهدافٌ أخرى؟ 

أسئلةٌ لا بدّ من تناولها عند تحليل أبعاد هذه الزيارة، مع العلم أنّ مدينة أم الفحم، وفق مخطط نتنياهو، أو ما يُسمّى بصفقة ترامب، سيتمّ نقلها لتكون جزءاً من “الدويلة” الفلسطينية العتيدة! لأنها مع جاراتها مصمص وعارة وعرعرة يشكّلون عبئاً ديموغرافياً على “إسرائيل”.

كيف يجرؤ نتنياهو على التوجّه إلى الناخب العربي، سيّما وأنّه أكثر المحرّضين على المواطنين العرب عشيّة وغداة الانتخابات؟! أليسَ هو من استنفر الشارع اليهودي في الساعات الأخيرة قبل إغلاق الصناديق في انتخابات 2015، بإطلاق استغاثته المشهورة: “انظروا إلى العرب كيف يهرولون بالحافلات إلى صناديق الاقتراع!”؟

أليس هو من سنّ قانون القومية العنصري الذي يحرم المواطنين العرب من حقوقهم القومية في “دولة اليهود”؟ أليس هو من رفض أن يطرح على جدول أعمال الكنيست قانون الحق بالمساواة القومية؟ أليس هو من أخفت صوت المؤذّن بسنّ قانونٍ خاصٍ لذلك؟ أليس هو المسؤول عن سنّ قانون كامينتس الذي يقضي بتقييد البناء في القرى والمدن العربية ويعاقب بالهدم والغرامات الخيالية بحجّة البناء من دون ترخيص؟! 

إذن، كيف يجرؤ نتنياهو على زيارة هاتين المدينتين بالذات، وهما معقلا الحركة الإسلامية؟ ناهيك باستقبال رئيس بلدية أم الفحم لنتنياهو بحضور عددٍ من “وجهاء” المدينة!

يبدو أنّ نتنياهو نجح في استمالة أعضاء الحركة الإسلامية في “القائمة المشتركة” للكنيست، واستطاع ليّ ذراعها من خلال علاقاتها الخارجية بالقوى المطبّعة مع الاحتلال، فأذعنت بسيادة “إسرائيل” على الأقصى، إذ لم يعد أمام الحركة الإسلامية، الممثّلة في الكنيست الصهيوني، مجالاً للمناورة.

كيف لها أن ترفض، في حين أنّ أقطاب “المشتركة” جميعاً، برئاسة أيمن عودة (الجبهة)، واجهت حركة المقاطعة الوطنية في الكنيست بالسؤال المتكرر “ما هو بديلكم؟” وشعاراتٍ على غرار “لنكن واقعيين!” و”نريد التأثير من الداخل!”. 

لقد أبدت الأقطاب استعدادها للتوصية بجنرال الحروب العدوانية، بيني غانتس، لرئاسة الحكومة، بالمجّان، رغم استيائه من هذه التوصية! وكيف للحركة الإسلامية أن ترفض زيارة نتنياهو، وقد حظي بتأييدها سراً لمرشحه في منصب مراقب الدولة، وحظي بموقف نواب الحركة في منع سنّ قانون إقامة لجنة تحقيقٍ في ملف الغواصات؟ في هذا الشأن، ما زالت تحوم حول نتنياهو شبهاتٌ جديةٌ بتلقّي الرشوة. لقد حظي نتنياهو بموقف النواب الإسلاميين المحايد من التصويت على حلّ الكنيست، خدمةً له. كل ذلك مقابل وعودٍ، تبيّن لاحقاً أنّها كاذبة، لتعديل قانون كامينتس أو تجميده، أو إطلاق وعودٍ بالمصادقة على خطةٍ حكوميةٍ لمحاربة الجريمة في المجتمع العربي في الداخل، وجوهرها كما جاء على لسانه، خلال زيارته الأخيرة لأم الفحم، زيادة الميزانيات ومضاعفتها لإقامة محطات شرطةٍ إضافيةٍ في القرى والمدن العربية، ومضاعفة عدد عناصرها.

 كيف لها أن ترفض؟ وشعارات “الواقعية” و”الاندماج” و”التأثير من الداخل” مدعومةٌ من السلطة الفلسطينية، بذريعة أنها تصبّ في المصلحة الوطنية الفلسطينية؟ وكيف ترفض في حين أنّ مرجعية الحركة الإسلامية، الفقهية والسياسية والمالية في الخارج، وعلى اختلافها، بين قطر والسعودية والإمارات وتركيا، تطبّع تطبيعاً كاملاً مع نتنياهو؟ وإذا بالبعض يتحالف معه علناً ويشاركه استراتيجياتٍ أمنيةً واقتصاديةً وثقافية؟ وكيف لا؟ ومعسكر نتنياهو- “شاس” هو الأقرب اجتماعياً إلى الحركة الإسلامية من فكر ميرتس ولبيد مؤيدٌ حقوق المثليين؟ 

 

“فقط الليكود يستطيع”

من زاويةٍ أخرى، لا بدّ من المقارنة بين موقف من يسمّون أنفسهم “يسار” صهيوني، أو “يمين صهيوني وسطي”، وفي الوقت ذاته، يرفضون مشاركة النواب العرب في أيّ حكومة يشكّلونها بديلاً عن حكومة نتنياهو، حتى لو كان الدعم العربي لهذه الحكومة من خارجها ومن دون ثمن! 

هذا يعيدنا إلى الشعار المركزي الذي رفعه الليكود في انتخابات 1981 والذي يقول “فقط الليكود يستطيع”، وهو شعارٌ رفعه الليكود بعد التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، بعد أن تخاذل حزب العمل ولم يجرؤ، آنذاك، على التقدّم نحو تسويةٍ سلميةٍ وعقد مؤتمر جنيف 1975 بموجب توافقٍ أميركي سوفياتي. إنه شعارٌ لا يزال حاضراً بصيغته الجديدة: “فقط نتنياهو يستطيع”.

بموازاة ذلك، لا يجرؤ المعسكر الآخر، “اليساري”، “الليبرالي” “المعتدل” حتّى على قبول دعم النواب العرب لحكومته، أو تسجيل دعمٍ علنيٍّ للحقوق القومية الجمعية للمواطنين العرب، فيما يقوم نتنياهو، المحرّض على العرب وعلى أيّ حكومةٍ بديلةٍ مدعومةٍ من النواب العرب، بكسر هذا الحاجز. هو وحده يستطيع فعل ذلك، فيتوجّه إلى الناخب العربي لنيل تأييده، ويعده بما لم يجرؤ “اليسار” على التصريح به علناً. إذن، كيف للحركة الإسلامية وغيرها من المركّبات “المشتركة” أن ترى الفارق بين نتنياهو من جهة، وغانتس ولبيد وساعر من جهةٍ أخرى؟

بالعودة إلى السؤال الأساس، هل يمكن لأقطاب “القائمة المشتركة” أن تقبل المشاركة في الكنيست الصهيوني، في الوقت الذي ترفض قوانين اللعبة المعروفة هذا الأمر داخل الكنيست؟ 

هذا هو السؤال المركزي الذي يواجه الفلسطينيين في الداخل. 

الجواب على السؤال لا يحتمل الفلسفات والشعارات الفارغة التي أثبتت فشلها على مدى 72 عاماً. إنّ الحركة الإسلامية، وأعضاء الحركة “المشتركة”، الذين جاؤوا بناخبيهم من أحضان الأحزاب الصهيونية – المفدال وشاس والعمل والليكود- عادوا إلى نهج “الواقعية”، و”التأثير من الداخل” الذي انتهجه من سبقهم من مخاتير وأزلام الأحزاب الصهيونية، لكن هذه المرّة، باستبدال الحطّة والعقال بالبدلة وربطة العنق، وإدراج لقب الدكتور بدلاً من الزعيم أو الوجيه.

 لكن ما يلفت الانتباه، في أيامنا، هو تبنّي الحزب الشيوعي “الثوري” لنهج “الواقعية السياسية”، بدلاً من “الواقعية الثورية”، والذي يُفترض أن يميّز الأحزاب الشيوعية الثورية. أما الفارق الأهم، فيكمن في شعارات “الواقعية السياسية” و”التأثير من الداخل” التي أصبحت مدعومةً من قيادة الشعب الفلسطيني الممثّلة بالسلطة الفلسطينية، وبأنظمةٍ عربيةٍ طالما اعتبرناها قوى رجعية متحالفة مع الامبريالية الأميركية والحركة الصهيونية. وها هي أول ثمار “التطبيع”، والقادم أعظم! إذا ما بقيت القوى الوطنية الحقّة تمتهن الكلام ولا تمتلك البديل الفعلي.

إنّ الإجابة على السؤال الأول، ليس بالضرورة أن تكون أهداف نتنياهو انتخابية، ولا يُقاس نجاح زيارته هذه بعدد الأصوات التي يكسبها لحزبه من المواطنين العرب. وفي اعتقادي أنه لن يرشّح عربياً في قائمته الانتخابية بهدف كسب الأصوات، وهو لا يرمي إلى تفكيك “القائمة المشتركة” كما يدّعي البعض ضمن حملتهم الانتخابية القادمة، بل سيعمد إلى تغيير الخطاب السياسي لـ”القائمة المشتركة”، ليكون مناسباً لطموحات الحركة الصهيونية في ترويض الفلسطينيين في الداخل، من خلال دعمه لتيار الحركة الإسلامية، برئاسة د. عباس منصور. 

هذا هو الخطاب الجديد، “الواقعي”، الذي أوكل إلى أيمن عودة في قيادة “المشتركة” من أجل تحقيقه، ولكنه لم يجرؤ على التنفيذ، وفشل في مهمته لعدة أسباب: 

أوّلها اعتراضاتٌ داخليةٌ في صفوف الجبهة، والتي لم تستطع تقبّل ذلك، وثانيها الموقف المعارض للتجمع الوطني الديموقراطي داخل “المشتركة”، ولكن الأهم، هو رفض المعسكر البديل لنتنياهو، المعسكر “اليساري” ، “الوسطي” و”المعتدل”، قبول العرب شركاءً له في الحكم، لأنه معسكرٌ عنصري ليس إلاّ، ومؤسسٌ للفكر الصهيوني الكولونيالي والعنصري.

مقالات ذات صلة