صحافة دولية .. “Consortium News”: هيمنة اللوبي الإسرائيلي الكارثية على أميركا

تتعرض امريكا  لأضرار من داخلها لما تتخذ من مواقف  

داعمه  للكيان الغاصب، والذي خرج عن السيطرة وبصورة واضحة، أمام مرأى العالم اجمع ومنظمات حقوق الإنسان.

 

كارا ماريانا
الترجمة للعربية: حسين قطايا.

 

ورد في  تحقيق طويل  لموقع “consortimnews” عن منظمة “AIPAC” وطبيعة نفوذها في الولايات المتحدة الأميركية، وكيف أنها تدفع أصحاب القرار لسياسة مؤيدة لـ “إسرائيل” حتى لو كانت تتعارض مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة الأميركية، ويخلص إلى تقديم اقتراحات للخلاص من هذه الهيمنة.

فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:

من شبه المؤكد أن منظمة “AIPAC” الصهيونية ورطت الولايات المتحدة الأميركية في جرائم وحشية ضد الإنسانية، التي من شأنها أن تقوض الأمن الأميركي في الداخل والخارج، وتحد من قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع المشكلات الشائكة في الشرق الأوسط، لأنها لا تتجرأ على فتح باب النقاش الجاد والصريح بشأن دور اللوبي الإسرائيلي في صنع القرار السياسي في واشنطن.

بدأت “إسرائيل” تسريع حملة القصف الهمجي على غزة في بداية الشهر الماضي، بالتزامن مع زيارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى “تل أبيب”، والمشاركة في اجتماع مجلس وزراء الحرب الإسرائيلي. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اتصل ببايدن قبل يومين ليطلب ما وصفته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” بزيارة تضامن.

لقد مر أكثر من شهر على زيارة بايدن الحربية لـ”تل أبيب”، والفظاعات الوحشية الإسرائيلية في غزة تضاعفت عشرات المرات، ويعترف بها الآن على نطاق واسع في العالم على أنها إبادة جماعية. وبدأت الدول غير الغربية والمبدئية، مثل بوليفيا وتشيلي وكولومبيا وهندوراس، الأسبوع الماضي، بقطع العلاقات مع “تل أبيب”، أو استدعاء سفرائها. ومنذ ذلك الحين، سحبت 5 دول إضافية سفراءها من “إسرائيل”، بينها جنوب أفريقيا والأردن وتركيا.

الأسئلة لا تزال قائمة. ماذا يعني التضامن، كما تعهد بايدن، حين ترتكب “إسرائيل” يومياً جرائم حرب يشاهدها العالم بأسره؟ لماذا تنخرط الولايات المتحدة في انتهاك للقانون الدولي، وكل ما تزعم الدفاع عنه؟ ولماذا تساعد “إسرائيل” في أجندتها للتطهيرالعرقي في غزة؟ لماذا تعطي الولايات المتحدة الأولوية لمصالح وأمن “إسرائيل” فوق مصالحها، بينما تضر في الوقت نفسه بمصداقيتها ونفوذها في الخارج؟

إن النظر في تأثير “AIPAC” على سياسة الولايات المتحدة، المحلية والخارجية على حد سواء، يحيلنا إلى كتاب “اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة”، الصادر عام 2008، للكاتبين جون ميرشايمر وستيفن والت، باعتباره الفحص الأكثر شمولاً لقوة “AIPAC”، منذ تأسيسها وحتى الآن.

وأصبح تحليلهما اليوم أكثر أهميةً من أي وقت مضى. ففي السياق الحالي، وبالنظر إلى حجم ما يتكشف ولتأثيره المحتمل على العلاقات بين العديد من الدول، يجب أن ندرك أن نطاق “AIPAC” يمتد إلى ما هو أبعد من واشنطن أو غربي آسيا. والواقع أن تأثير هذه المنظمة أصبح الآن واضحاً في الشؤون العالمية بالكامل. هذا هو الواقع الدولي المفزع والمريب.

يعد الضغط وسيلةً بالغة الأهمية بين أنشطة “AIPAC” المختلفة. وتكرس الأخيرة جهودها لضمان أن سياسة الولايات المتحدة في غربي آسيا، تعطي الأولوية لاحتواء الدول التي تعد معاديةً لـ”إسرائيل”، وتحديداً إيران والعراق وسوريا، ومنعها من الحصول على ردع فعال لترسانة “إسرائيل” النووية، والحؤول دون أي حل قابل للتطبيق للقضية الفلسطينية.

غزو العراق وإغراق الاتفاق النووي الإيراني
باعتبارها من بين أهم جهودها، شاركت “AIPAC” بصورة وثيقة في حمل الكونغرس الأميركي على دعم غزو جورج دبليو بوش العراق، في عام 2003. وما زالت تكرر في تقريرها ادعاء إدارة بوش الكاذب بأن صدام حسين كان متحالفاً مع “تنظيم القاعدة”.

اقتبس ميرشايمر ووالت في كتابهما، من تصريح المدير التنفيذي لـ”AIPAC”، هوارد كوهر، لصحيفة “نيويورك صن” في عام 2003، وقبل شهرين من غزو العراق، الذي أقر فيه بأن “الضغط بهدوء على الكونغرس من أجل الموافقة على استخدام القوة في العراق كان أحد نجاحاتنا الكبرى، قبل عام من الغزو”.

من المثير للقلق، أن “AIPAC” تعمل منذ ذلك الحين على محو الأدلة على دعمها الحرب الكارثية على العراق، التي خلفت ملايين الضحايا، وعارضها الرأي العام العالمي بشدة.

“الاتفاق النووي المتعدد الأطراف” مع إيران، كان الهدف الرئيسي الثاني لمنظمة “AIPAC”، وفي عام 2015، أنفقت الملايين من الدولارات في محاولة فاشلة لقتل اتفاق “خطة العمل الشاملة المشتركة”، الذي وقع عليه الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما. وكان من شأن هذه الخطوة الكبيرة بعث الأمل نحو تطبيع العلاقات مع إيران، وإنهاء عقود من العقوبات المعوِقة.

كل هذا يظهر أن السياسات الخارجية للولايات المتحدة الأميركية متطابقة مع أجندة منظمة “AIPAC” وأهدافها، ويحتاج المرء إلى مجهر للتفريق بينهما.

عثرت “AIPAC” على حليف “جذري” في صهيونيته كما الرئيس الحالي، هو الرئيس السابق، دونالد ترامب، الذي تم تمويل حملته الانتخابية بصورة كبيرة من قبل أعضاء اللوبي المؤيد لـ”إسرائيل”، الذين يعارضون اتفاق “خطة العمل الشاملة المشتركة”، حيث ضاعفت “AIPAC” آنذاك جهودها، وأرسلت الآلاف من جماعات الضغط إلى الكونغرس في الأشهر التي سبقت انسحاب ترامب من الاتفاق، في 8 أيار/مايو عام 2018، مسبباً انتكاسةً فظيعةً للسياسة الاستراتيجية لبلاده، ومظهراً تبعيته العمياء وإذعانه الكامل لتوجهات اللوبي الصهيوني.

حقيقةً، تفتقر الولايات المتحدة إلى سياسة خارجية مستقلة تعكس مصالحها الأمنية الخاصة في غربي آسيا، وليس مصلحة “إسرائيل”. وفي هذه اللحظة من العنف الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة، والمعاناة الإنسانية والفوضى السياسية، على الأميركيين أن يدركوا أن “AIPAC” وكالة غير منتخبة وغير حكومية، وليس لها أي صفة رسمية، كي تمارس تأثيراً مفرطاً وغير مناسب تماماً في الشؤون العالمية، وفي السياسة الأميركية الداخلية أيضاً.

نادراً ما يذكر تأثير “AIPAC” في وسائل الإعلام الأميركية، ويمكننا قراءة هذا الصمت كمقياس لتراكم القوة غير المقبول للمنظمة.

يمارس اللوبي الصهيوني، بقيادة “AIPAC”، تأثيراً مفرطاً على كل الخطاب الحكومي ومسائل السياسة المتعلقة بالسيادة والحقوق الفلسطينية. الأصوات المؤيدة للفلسطينيين لا تسمع أبداً تقريباً داخل الحكومة، وهو حظر فرضته “AIPAC” على مدى عقود عديدة. وأي انتقاد لـ”إسرائيل” أو “AIPAC”، بدوره، يوصف بأنه معادٍ للسامية، ويعاقب عليه بسرعة.

على سبيل المثال، تمت إقالة عضوة الكونغرس، إلهان عمر، من منصبها في لجنة الشؤون الخارجية في أوائل العام الجاري، بسبب تعليقات وتغريدات تشكك بالعلاقات المالية بين “AIPAC” ومعظم أعضاء الكونغرس.

ففي مسألة القضية الفلسطينية في الكونغرس، يفوز جانب واحد فقط؛ وهو القوة التي لا مثيل لها، التي تتمتع بها “AIPAC” وهيمنتها على الخطاب العام والسياسة الأميركية، عبر المساهمات المالية للمنظمة في الحملات الانتخابية في الكونغرس وسواه.

وساهمت جماعات الضغط المؤيدة لـ”إسرائيل” والأفراد بما يقارب 31 مليون دولار لمرشحي الكونغرس الأميركي، خلال الدورة الانتخابية العام الماضي، بأكثر من 6 أضعاف المساهمات التي تلقاها المرشحون من لوبي حقوق السلاح، وفقاً لـ”Open Secrets”، وهي منظمة غير ربحية في واشنطن، تتعقب تمويل الحملات الانتخابية.

زيارة بايدن إلى تل أبيب
مع وضع ما سبق في عين الاعتبار، يظهر جلياً الواقع الخطير بسبب الطابع المتطرف لمنظمة “AIPAC”. وبمراجعة زيارة بايدن إلى “تل أبيب” الشهر الماضي، يتضح تماماً محافظة الولايات المتحدة على عقيدة راسخة تميز “إسرائيل” وتدعم أولوياتها.

ولم يقدم بايدن أي شيء جديد، ولا رؤيةً لكيفية التصدي للجريمة الأخلاقية الأصلية التي ارتكبت ضد الفلسطينيين، عندما انتزع وطنهم منهم قبل 75 عاماً، ولا يزال المحتل الإسرائيلي يمارس عليهم أقبح التنكيل والظلم والتطهير العرقي.

تم استدعاء بايدن إلى “تل أبيب” على عجل، واستجاب للدعوة فقط من أجل إضفاء الشرعية على ما هو غير شرعي للغاية، وتوفير غطاء سياسي لـ”إسرائيل”، إذ تجد نفسها وحيدةً بصورة متزايد في عالم لا يعاقب فيه سوى عدد قليل من الدول غير المنصاعة لأوامر الغرب.

وأكد بايدن لـ”إسرائيل” الدعم الأميركي غير المشروط، ووعد في وقت لاحق بتقديم 14.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية الجديدة، بالإضافة إلى 38 مليار دولار من حزمة مدتها 10 سنوات. باختصار، لقد شرع بايدن لـ”إسرائيل” أن تفعل ما تشاء، و”إسرائيل” تفعل ذلك بالضبط، في تدميرها مدينة غزة واحتلال شمالي القطاع وقتل سكانه وتهجيرهم.

يفسر هذا الفشل الذريع للسياسة الأميركية عاملان: أولاً وبوضوح، إن هذا الرئيس غير قادر على ممارسة الحنكة السياسية بالحجم المطلوب. علاوةً على ذلك، هو يصرح عن تقارب شخصي عميق مع الرؤية الصهيونية، في أن تستولي “إسرائيل” على جميع أراضي فلسطين باعتبارها ملكاً لها، ولا حافز لديه لفعل أي شيء سوى الانحياز إلى مصلحة “إسرائيل”.

والأهم من ذلك وبصورة مباشرة، يؤدي بايدن دوره بمثالية مفرطة، ولا يقدم أي جديد ولا يجترح سياسات ممكنة على الإطلاق، بسبب قبضة “AIPAC” الخانقة على الانتخابات والسياسة والسياسيين الأميركيين.

قتل الإسرائيليون آلاف الفلسطينيين منذ زيارة بايدن إلى “تل أبيب”. و”AIPAC” تتحمل مسؤوليةً مباشرةً عن هذه الجرائم. ولا ينبغي الاستخفاف بتبعات تهدد منطقة غربي آسيا بالانفجار في وقت لا توجد فيه قيادة قادرة في الولايات المتحدة، ويرجع ذلك، إلى حدٍ كبير، إلى أن سياستها الخارجية تشكلت من قِبل مجموعة المصالح الخاصة التي عملت لعقود بالوكالة عن دولة أخرى، هي “إسرائيل”.

لقد أعمى انحياز واشنطن غير المدروس والمؤيد لـ”إسرائيل” نخب السياسة الأميركية، بحيث لا يبدو أن أحداً في واشنطن، وبالتأكيد ليس بايدن ولا وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، يفهم أن هناك تحولاً زلزالياً في القوة العالمية يحدث الآن.

لقد أصبح أمن الولايات المتحدة ومكانتها في العالم فجأةً محفوفاً بالمخاطر أكثر مما كان عليه طوال تاريخها. تتعرض الولايات المتحدة للضرر من داخلها ومن خلال دعمها المستمر والثابت لكيان فصل عنصري، خرج عن السيطرة بصورة واضحة، تحت مرأى العالم ومنظمات حقوق الإنسان. لم يعد دعم “إسرائيل” في مصلحة الولايات المتحدة على الإطلاق، وإن كان كذلك في الماضي، فقد أصبح عبئاً لا يحتمل اليوم.

ولم يعد ممكناً التغاضي عن دور لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية في كل هذا. إنها تتحمل مسؤوليةً كبيرةً عن هذا الاضطراب العالمي، وعن الضرر الذي تتكبده الولايات المتحدة، لأنها تدعم الدولة التي تخدمها “AIPAC”.

“AIPAC” ومجزرة بلدة قبية الفلسطينية
تأسست “AIPAC” في عام 1954 باسم اللجنة الصهيونية الأميركية للشؤون العامة، وكانت مهمتها في ثلاثة سياقات: تعزيز أجندة مؤيدة لـ”إسرائيل” داخل الحكومة الأميركية، تشكيل الرأي العام الأميركي لدعمها وتوحيد الصفوف داخل الجالية اليهودية الأميركية، وبالتالي خلق جبهة يهودية متجانسة وموحدة، من خلال فرض الرقابة ونبذ أي يهودي ينتقد “إسرائيل”، بغض النظر عن أفعالها. ومنذ البداية، كان محتوماً أن تكون مهمة “AIPAC” مضرةً بالديمقراطية والسياسة الأميركية الخارجية على حدٍ سواء.

ظهر اللوبي المؤيد لـ”إسرائيل” في الولايات المتحدة من أجل تغطية مجزرة بلدة قبية الفلسطينية قبل 70 عاماً وتبريرها. ووصف المؤرخ الأكاديمي دوغ روسينو الأحداث المروعة للمذبحة بحق الفلسطينيين على أنها تشكل الجذور المظلمة لقيام اللوبي الأميركي المؤيد لـ”إسرائيل”.

يقول روسينو: “في 15 تشرين الأول/أكتوبر، انفجرالجحيم. انتشرت أنباء تفيد بأن وحدةً خاصةً من الجيش الإسرائيلي قد ضربت في الضفة وارتكبت مذبحةً في قرية قبية الفلسطينية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 60 مدنياً بصورة عشوائية وانتقامية لمقتل امرأة يهودية في القدس قبل 3 أيام”.

خطط ديفيد بن غوريون رئيس وزراء تل أبيب آنذاك لمذبحة قرية قبية، وأرادها عبرة تخيف الفلسطينيين من التوحش الانتقامي الإسرائيلي خاصة ممن يقاومون الاحتلال.

مع ذلك، نشرت مجلة “تايم” الأميركية، رواية مروعة عن القتل الجماعي المتعمد وحتى العرضي من قبل الجنود الإسرائيليين في قبية. ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقتطفات مستفيضة من تقرير لجنة تابعة للأمم المتحدة دحضت الأكاذيب الإسرائيلية حول ما حدث فعلاً.

كان رد واشنطن فورياً، وتم تعليق المساعدات لإسرائيل. وفي مجلس الأمن الدولي، أيدت الولايات المتحدة توجيه اللوم لإسرائيل. كان هذا خلال فترة ولاية الرئيس دوايت أيزنهاور الأولى في البيت الأبيض. واليوم، فإن أي رد أميركي من هذا النوع على الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي أمر لا يمكن تصوره، وهذه شهادة على نجاح “AIPAC”.

إن سياسة بن غوريون المتمثلة في الانتقام غير المتكافئ هي بالضبط ما يحدث الآن في غزة. فقد سن استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد لإلحاق أكبرالخسائر بالفلسطينيين وسحقهم وإجبارهم على الخضوع أو القضاء عليهم وإبادتهم، ولا تزال إدارة بايدن صامتة.

هذا هو السياق التاريخي الذي نجحت “AIPAC” في محوه من الخطاب العام والذاكرة الأميركية. والآن يستمر هذا الأمر، فعندما شنت حركة “حماس” هجومها في 7 تشرين الأول/أكتوبر، تمكنت إسرائيل من إنكار أن سياساتها العنصرية وجرائمها هيأت الظروف لانفجار الغضب الفلسطيني.

هذا المحو المتعمد للتاريخ يمكن اللوبي الإسرائيلي من تحريف التصورات العامة بحيث يكون التعاطف الأميركي مع إسرائيل بينما تظل معاناة الفلسطينيين غير مرئية إلى حدٍ كبير.

قسم الولاء
تأثير “AIPAC” على شرائح النخب السياسية داخل الأحزاب الأميركية معروفة وموثقة جيداً. فلا أحد يصل إلى البيت الأبيض، وقلة هم من يتم انتخابه لعضوية الكونغرس، دون أن يقسم بالولاء لإسرائيل واللوبي الإسرائيلي الأميركي.

تنفق “AIPAC” ملايين الدولارات للترويج لمرشحيها المفضلين بينما تقوض بقوة أي شخص يعبرعن انتقاده لإسرائيل أو قلقه بشأن محنة الفلسطينيين.

من الواضح أن السياسات الخارجية والداخلية للولايات المتحدة يجب أن تعكس وتستجيب للمصالح الأمنية الأميركية واحتياجات شعبها، وليس احتياجات إسرائيل. لذلك ليس من المستغرب أن تكون إحدى السمات الرئيسية لدعاية “AIPAC” هي الوهم بأن مصالح الولايات المتحدة متطابقة بالكامل مع مصالح إسرائيل.

وتعزيزاً لذلك، تنقل “AIPAC” بشكل روتيني ممثلين جدد في الكونغرس إلى إسرائيل، حيث يجتمعون مع مسؤولين حكوميين في عملية تلقين مؤيد لإسرائيل لضمان استمرار الدعم السياسي والمالي والعسكري الأميركي. وفي الواقع، لطالما أثار الدعم الأميركي لإسرائيل غضب العالم العربي، مما جعل الولايات المتحدة أقل أمناً.

يمتد نطاق “AIPAC” بعمق إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية للحكومة الأميركية، وإلى مراكز الفكر والتوجيه والنخب السياسية والدبلوماسية ووسائل الإعلام االكبرى والأوساط الأكاديمية. ولولا قدرة اللوبي على العمل بفعالية داخل النظام السياسي الأميركي، لكانت العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة أقل حميمية بكثير مما هي عليه اليوم.

يدير اللوبي الإسرائيلي بشكل فعال السياسة الخارجية الأميركية في غرب آسيا ويحول مليارات الدولارات إلى إسرائيل لدعم أجندة صهيونية ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي، حسب تقارير الأمم المتحدة و”منظمة العفو الدولية”.

لو يقتصر تأثير اللوبي على المساعدات الاقتصادية الأميركية لإسرائيل، فقد لا يكون تأثيره مقلقاً. المساعدات الخارجية قيمة، لكنها ليست مفيدة مثل وجود القوة العظمى الوحيدة في العالم التي تستخدم قدراتها الهائلة نيابة عن إسرائيل. وبناء على ذلك، سعى اللوبي أيضاً إلى تشكيل العناصر الأساسية لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة. وعلى وجه الخصوص، عملت بنجاح لإقناع القادة الأميركيين بدعم قمع إسرائيل المستمر للفلسطينيين واستهداف خصوم إسرائيل الإقليميين الرئيسيين: إيران والعراق وسوريا وكذلك حزب الله.

وكما هو الحال الآن، فإن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في جرائمها الشنيعة في غزة ولمشروع التطهير العرقي، بتواطؤ إدارة بايدن الشريك الكامل في جريمة بنيامين نتنياهو وحكومة تل أبيب المستمرة في غزة.

إن تأثير “AIPAC” كبير لدرجة أنها ورطت الولايات المتحدة في جريمة مقززة ضد الإنسانية، ومن شبه المؤكد أنها ستقوض الأمن الأميركي في الداخل والخارج، لأنها تهدد بتوسع الصراع إلى الاقليم والعالم.

لا ينبغي أن يكون لدى أي لوبي هذا النوع من السلطة. ولكي تتغير الأمور، تحتاج الولايات المتحدة إلى تفكير جديد تماماً، ورؤية جديدة، وأجندة سياسة خارجية جديدة تماماً فيما يتعلق بإسرائيل وغرب آسيا. لن يحدث هذا إلا عندما تفقد “AIPAC” النفوذ الذي تتمتع به حالياً على المسؤولين المنتخبين في أميركا والنخب السياسية وعلى جميع المستويات في واشنطن، داخل وسائل الإعلام الكبرى والأوساط الأكاديمية.

من الصعب جداً انتقاد إسرائيل، وسياسة الولايات المتحدة التي تحابي إسرائيل، لعدة أسباب. أولاً، لطالما كانت التغطية الإعلامية للأحداث في غرب آسيا مائلة لصالح إسرائيل بحيث يكاد يكون من المستحيل الحصول على معلومات غير متحيزة من مصادر الأخبار الرئيسية. وإحدى الاستراتيجيات الأكثر سخرية التي تستخدمها “AIPAC” هي وصف أي شخص ينتقد إسرائيل بأنه معاد للسامية، وهو اتهام تستخدمه عادة وبشكل واضح لفرض الرقابة على المعارضة وإسكاتها.

عرقلة القرار
كل ما أوجز هنا جعل من المستحيل تحقيق حاجة الفلسطينيين إلى وطن آمن، سواء كان ذلك حل الدولة الواحدة أو في حل الدولتين. وإلى أن يتم حل هذه المسألة الأساسية، ستظل المنطقة بأسرها غير مستقرة، ولن يكون الإسرائيليون آمنين أبدا، وسيظل الفلسطينيون يعانون في ظل الفصل العنصري الإسرائيلي، وستواصل المقاومة الفلسطينية هجماتها، وكل هذا يقوض الاستقرار والأمن العالميين.

لقد حان الوقت لاستنتاج أن “AIPAC” يجب كسرها. ويعتمد السلام في غرب آسيا والنظام المستقر في أماكن أخرى في العالم على هذا المشروع. ويجب إبقاء الضوء ساطعا ا على جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل و سياسة التطهيرالعرقي الراسخة منذ قيام الاحتلال.

ويجب إحياء تاريخ الصهيونية الذي تم محوه عن تأسيس إسرائيل، والعنف المستمر والمنهجي المرتكب ضد الشعب الفلسطيني. وسيتطلب ذلك حملة لا هوادة فيها ومستدامة: على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الصحافة المستقلة والساحات السياسية، هذا مشروع قادر على الوصول بعمق إلى المجتمع والسياسة الأميركية.

إنه جهد يمكن لكل واحد منا القيام به وفقاً لقدراتنا وتأثيرنا. من بين أمور أخرى، سيتطلب الأمر وقتاً وشجاعة، بما في ذلك الشجاعة للمخاطرة باتهامات معاداة السامية.

في نهاية المطاف، قد يكون سلوك إسرائيل نفسه هو ما سيكسر نفوذ “AIPAC” في نهاية المطاف. يمكن للناس في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في أميركا، أن يروا بأنفسهم، الآن بوضوح كما فعلوا بعد مذبحة بلدة قبية في عام 1953، أن سلوك إسرائيل ليس عقلانياً أو عادلاً وأنه يشكل برنامجاً متعمداً للتطهير العرقي.

وقبل كل شيء، يجب على أميركا والأميركيين العاديين أن يستعيدوا منظوراً أكثر توازناً وانتقاداً تجاه إسرائيل، وهو المنظور الذي ساد بشكل صحيح قبل ظهور “AIPAC”.

 

نقلاً عن مواقع إعلامية

مقالات ذات صلة